يحلل الكاتب دانيال إيمروار خلفيات التصعيد العسكري الأميركي ضد إيران، ويرى أن الحرب الحالية تعكس تحولًا عميقًا في فلسفة السياسة الخارجية الأميركية. يوضح أن الضربات التي نفذتها الولايات المتحدة خلال الساعات الأولى من عملية «الغضب الملحمي» أظهرت فجوة هائلة في القوة العسكرية بين واشنطن وطهران، بعدما استهدفت آلاف المواقع الإيرانية بمئات الصواريخ والقنابل التي بلغت قيمتها نحو ثلاثة مليارات دولار.
ويشير تقرير نشرته ذا نيو يوركر إلى أن هذه الضربات منحت الولايات المتحدة وإسرائيل سيطرة شبه كاملة على المجال الجوي الإيراني، الأمر الذي سمح بتنفيذ هجمات مكثفة ضد أهداف داخل البلاد. عبّر وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث عن ذلك بلهجة متباهية حين قال إن القوات الأميركية «تضرب إيران وهي في أضعف حالاتها».
جذور العداء بين واشنطن وطهران
يرجع الكاتب جذور الصراع إلى عام 1979 حين أطاحت الثورة الإيرانية بنظام الشاه المدعوم أميركيًا وأعلنت قيام الجمهورية الإسلامية. تسببت أزمة احتجاز الرهائن في السفارة الأميركية في طهران في ترسيخ العداء بين البلدين، واستمر التوتر منذ ذلك الوقت رغم غياب مواجهة عسكرية مباشرة طوال عقود.
تعامل الرؤساء الأميركيون المتعاقبون مع إيران باعتبارها خصمًا رئيسيًا. وصف بيل كلينتون طهران بأنها مثال للدول «المارقة»، وأدرج جورج بوش الابن إيران ضمن «محور الشر» عام 2002، بينما صنف دونالد ترامب الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية عام 2019. يعكس هذا المسار الطويل أن الصدام بين البلدين ظل احتمالًا دائمًا في السياسة الأميركية.
رغم ذلك، تجنب الرؤساء الأميركيون السابقون الدخول في حرب مفتوحة مع إيران. امتلكت واشنطن القدرة العسكرية اللازمة، لكنها خشيت التداعيات الإقليمية الواسعة، مثل تعطّل إمدادات النفط أو زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط. لذلك ظل الصراع محصورًا في العقوبات الاقتصادية والضغوط الدبلوماسية والعمليات غير المباشرة.
انقلاب 1953 وبذور الأزمة
يعود الكاتب إلى خمسينيات القرن العشرين لفهم جذور العداء الأعمق. في تلك الفترة أمّم رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق صناعة النفط، وهو قرار أثار غضب بريطانيا التي كانت تسيطر على العائدات النفطية. أقنعت لندن الإدارة الأميركية بأن سياسات مصدق قد تفتح الباب أمام النفوذ السوفييتي في إيران خلال ذروة الحرب الباردة.
وافق الرئيس دوايت أيزنهاور عام 1953 على دعم انقلاب أطاح بمصدق وأعاد الشاه محمد رضا بهلوي إلى السلطة. نفذت وكالة الاستخبارات المركزية العملية عبر حملات دعائية وتمويل احتجاجات وتنظيم تحركات سياسية سرية. نجح الانقلاب سريعًا، لكنه زرع بذور غضب عميق داخل المجتمع الإيراني.
استندت الثورة الإيرانية عام 1979 إلى هذا الإرث التاريخي. اعتبر كثير من الإيرانيين أن الولايات المتحدة دعمت نظامًا استبداديًا قمعيًا لعقود. لذلك لم يكن وصف آية الله الخميني لواشنطن بـ«الشيطان الأكبر» مجرد شعار سياسي، بل انعكاسًا لتاريخ طويل من التدخل الخارجي.
سياسة ترامب وكسر القيود التقليدية
يرى الكاتب أن التحول الحقيقي في الأزمة الحالية يرتبط بأسلوب دونالد ترامب في إدارة السياسة الخارجية. اعتمد الرؤساء الأميركيون السابقون على مفهوم الهيمنة العالمية الذي يقوم على قيادة النظام الدولي والحفاظ على شرعيته. فرض هذا الإطار قيودًا على استخدام القوة العسكرية لأن واشنطن كانت تخشى تقويض صورتها العالمية.
رفض ترامب هذه الفلسفة وركز على مفهوم المصلحة الضيقة المباشرة. تعهد خلال حملته الانتخابية بوضع «أميركا أولًا» والتخلي عن دور الشرطي العالمي. لكن هذا التراجع عن الالتزامات الدولية لم يؤدِ إلى سياسة أكثر حذرًا، بل أزال القيود التي كانت تكبح القرارات العسكرية.
يشير الكاتب إلى أن إدارة ترامب دخلت الصراع مع إيران دون رؤية واضحة لما سيحدث بعد الحرب. أطلق البيت الأبيض العملية العسكرية بناءً على تقديرات فضفاضة واحتمالات مستقبلية، وليس وفق استراتيجية طويلة المدى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط أو إدارة النظام الدولي.
يؤكد التحليل أن سياسات ترامب لا تشبه الإمبريالية التقليدية التي تسعى إلى السيطرة وإدارة المناطق الخاضعة للنفوذ. بدلاً من ذلك، تتسم سياسته بنمط «الضرب والانسحاب»؛ أي استخدام القوة العسكرية لإحداث تأثير سريع دون التخطيط لإدارة النتائج السياسية لاحقًا.
يرى الكاتب أن هذا النهج يحمل مخاطر كبيرة، لأن غياب الرؤية الاستراتيجية قد يؤدي إلى فوضى إقليمية أوسع. يعتقد أن القيود التي فرضها النظام الدولي على الرؤساء الأميركيين السابقين لم تكن مجرد عبء سياسي، بل شكلت أيضًا عامل توازن يحد من الانزلاق نحو الحروب.
يخلص التحليل إلى أن الحرب مع إيران تكشف عن تحول عميق في دور الولايات المتحدة العالمي. فبدلاً من محاولة فرض نظام دولي تقوده واشنطن، تتجه السياسة الأميركية في عهد ترامب نحو استخدام القوة بصورة اندفاعية وغير مقيدة. وفي عالم شديد التعقيد، قد يؤدي هذا النهج إلى نتائج يصعب توقعها أو السيطرة عليها.
https://www.newyorker.com/magazine/2026/03/23/whats-behind-trumps-new-world-disorder

